محمد جواد مغنية

35

في ظلال نهج البلاغة

وبعد أن تبين هذا معنا نفسر كلمات الإمام بمداليلها الحرفية ومعانيها الحقيقية حيث لا مبرر للتأويل من حس أو عقل . المعنى : ( ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء ، وشق الأرجاء ، وسكائك الهواء ) . هذه الكلمات الثلاث كلها تشير إلى شيء واحد ، وهو الفضاء أو الفراغ اللانهائي ، وأيضا تشير إلى أن لهذا الفراغ أبعادا ثلاثة : علوا ، واليه أومأ الإمام بالأجواء ، وأطرافا ، وهي مراده من الأرجاء ، وطبقات ، وعنها عبر الإمام بالسكائك ، وجمع الأجواء والأرجاء والسكائك ، ولم يعبر عنها بالإفراد - بالنظر إلى تعدد طبقات الفضاء الكوني ، وهذه الطبقات اكتشفت بالحس والتجربة بعد غزو الفضاء وصعود الانسان إلى القمر . ويطلق علماء الفلك على كل مجرة يعرفونها أي المجموعة النجمية ، يطلقون عليها كلمة سكة بإضافة كلمة أخرى تميزها عن غيرها من المجرات ، واسم مجرتنا التي نرى بعض كواكبها سكة التبانة . . ومما قرأت ان علماء الفلك اكتشفوا حتى الآن مئة مليون مجرة من بلايين البلايين من المجرات ، وكل مجرة تتألف من بلايين النجوم ، وفي مجرتنا وحدها - أي سكة التبانة - يوجد أكثر من مئة مليار من النجوم ، بعضها أكبر من الأرض بأكثر من ثلاثمئة ألف ضعف . وقال المتخصصون بإثارة الخلافات الكلامية : ان الفضاء مخلوق بدليل قول الإمام : « أنشأ فتق الأجواء إلخ » . فردّ آخر منهم بأن الفضاء عدم محض ، والعدم لا يتعلق به الخلق والانشاء . . ونحن لا نرى أية جدوى عملية من هذا النزاع ، ولا نحن غدا عنه بمسئولين . . والذي نفهمه ان اللَّه سبحانه جعل الفضاء حيزا ومقرا للكائن الأول من خلقه . ( فأجرى فيها ماء متلاطما تياره متراكما زخاره ) . ضمير فيها يعود إلى الأجواء والأرجاء والسكائك ، ومتلاطما ومتراكما كناية عن كثرة الماء وعظمته ، وامتداده وارتفاعه ، ويدل هذا على أن المخلوق الأول للَّه تعالى هو الماء ، وانه تعالى أوجده في الجو محمولا على ريح كثيفة وقوية للغاية ، كما قال ( ع ) :